من أجل المدرسة العمومية: الفقيد الشيخ ولد بيبيه (الحلقة ألأخيرة ) بقلم إسلكو ولد أحمد إزيد بيه
من أجل المدرسة العمومية: الفقيد الشيخ ولد بيبيه (الحلقة الأخيرة)
حاولت في عام 2009، عندما كنت رئيسا لجامعة نواكشوط، تعبئة «خريجي» المدرسة الإبتدائية الأولى في آمرج، لتنظيم حدث كبير تكريما للفقيد الشيخ ولد بيبيه. وقد قبلت إدارة هذه المدرسة مشكورة -في البداية- هذا الاقتراح العملي؛ إلا أن اعتبارات خاصة، وفي اللحظة الأخيرة، حالت -للأسف- دون تنظيم هذا التكريم.
من خلال هذه السطور، أود أن أعيد طرح نفس الدعوة، وأضع مجددا على الطاولة اقتراح عام 2009. وأود أن أشير إلى أن ذلك سيشكل فرصة ذهبية لتكريم هذا الرجل الاستثنائي، ومن خلاله كل من ساهم في نجاح المدرسة العمومية الموريتانية، في أنحاء البلاد.
ستشكل هذه المناسبة الفريدة فرصة لنؤكد للتلاميذ الحاليين في آمرج إنهم -بدورهم- قادرون على تحقيق مسار دراسي مشرف، شريطة أن يتحلوا بالطموح المناسب، وأن يكون هناك معلمون من طراز الراحل الشيخ ولد بيبيه لتوجيههم وتأطيرهم.
فالمدرسة التي استقطبت بعض أفضل وأنبل المعلمين والمراقبين من منطقة كوش، تستحق أن تواصل تحقيق نتائج تربوية من بين الأكثر تألقا وطنيا.
في هذا الصدد، تخطر ببالي فكرة، قد تبدو طوباوية: لماذا لا نزرع شجرة « تمر هندي » (گناته) جديدة كبيرة قرب المدرسة، في المكان الذي كانت تقف فيه شجرة « گناته » المهيبة في طفولتنا، تعبيرا عن الشكر والإعتراف بالجميل للفقيد الشيخ ولد بيبيه، ولذكرى الماضي المشترك، وتأكيدا على الثقة في المستقبل؟
حاشية صغيرة (خارج الموضوع)
إن لفظ «گناته» يشير على الأرجح إلى اسم أعرق الممالك التي عرفتها إفريقيا الغربية، ألا وهي إمبراطورية « گانا » التي توجد أطلال عاصمتها (كومبي صالح)، قرب القرية الموريتانية « الصحبي »، على بعد ستين كيلومترا تقريبا، غرب آمرج.
هذه الفرضية التي قد تبدو جريئة للوهلة الأولى، بل وغريبة، ليست كذلك تماما؛ ذلك أن من يعرفون جيدا منطقة الحوض وتلك القرى العتيدة في الشريط الجنوبي، والتي يأهلها « السونينكي » الذين يرى المؤرخون أنهم كانوا أوائل سكان إمبراطورية گانا، قد لاحظوا بالتأكيد تنظيم كل واحدة من هذه القرى حول ساحة مركزية كبيرة، تحرسها شجرة مهيبة، وقورة، من فصيلة البعبع أو شجرة التمر الهندي (گناته).
من هنا، تصبح الفرضية القائلة بأن هذه الشجرة الأخيرة، المعروفة بالخصائص الطبية المتعددة لثمارها، كانت في الواقع رمزا أو أحد رموز الإمبراطورية الغرب-إفريقية الكبرى، مقبولة، دون الوقوع بالضرورة في التطويع التاريخي!
ليس مستبعدا أن تكون غابات أشجار التمر الهندي، التي كانت منتشرة في المنطقة آنذاك، قد شكلت مآوي مفضلة للاحتفالات والطقوس التي كان يقيمها التونكا (الملك). وهنا أيضا، ليس من المستحيل حدوث انزلاق دلالي من اسم الشجرة إلى اسم الإمبراطورية أو العكس.
إن كلمة «گناته» لا توجد في معاجم اللغة العربية، إذ تتوفر هذه اللغة على اسم قديم نسبيا لثمرة هذه الشجرة، وهو «تمر هندي»، ومنه اسم الشجرة نفسها («شجرة التمر الهندي»). ومن عبارة «التمر الهندي» نحتت اللغة الفرنسية كلمة «تامارين»…
أما كلمة «گناته» فلا تبدو — ويجب التحقق من ذلك — أنها مشتقة من إحدى اللغات الإقليمية الأخرى مثل الفولانية أو الطوارقية أو البمبارية أو لغة السونغاي…
من ناحية أخرى، فإن «گناته» اسم مكان في الهند، وعبارة «التمور الهندية» تؤكد إلى حد ما المنطلق الهندي؛ وبالتالي فإن احتمال أن يكون اسم الإمبراطورية الغرب-إفريقية الكبرى واسم المكان الهندي الذي تنمو فيه أشجار التمر الهندي بكثرة، اسما واحدا، ليس بالضرورة احتمالا معدوما.
لإنهاء هذا الحديث الجانبي (مؤقتا)، ينبغي التذكير بأن مسألة «نبل» شجرة التمر الهندي ضمن المملكة النباتية، ليست محصورة في غرب-إفريقيا، إذ يلقبها « الساكالاف » في مدغشقر بـ«ملك الأشجار» (لا أقل من ذلك!).
سيضيء لنا علماء الإثنولسانيات يوما ما مسألة التشابه الصارخ بين التسميتين «گانا» و«گناته». وفي غضون ذلك، قد يضع هذا النقاش مدينة آمرج، بفضل موقعها الجغرافي المتميز، في قلب تاريخ شبه-المنطقة!
لقد اختار بلد إفريقي (گانا) وازن تبني اسم هذه الإمبراطورية الكبرى، إبان استقلاله، فحري بمن يعيشون على أطلال هذه المملكة العريقة الرجوع إلى مصادر هذا التاريخ المشرق، للمساهمة في بناء الحاضر والمساعدة في استشراف المستقبل.
وبالعودة إلى مبادرة غرس مثل هذه الشجرة الأسطورية، في مكان الشجرة المعروفة، ضمن احتفال رسمي وأهلي كبير، تنظمه المدرسة الابتدائية الأولى في آمرج، فهي سهلة التنفيذ، وفرصة توعوية لسكان المدينة، عبر تلاميذ المدرسة، حول الأزمة المناخية ودور الشجرة في عملية مكافحة الاحتباس الحراري.
ومن شأن هذا التظاهرة أن تتيح لخريجي هذه المدرسة العمومية العريقة، فرصة تقاسم ذكريات جميلة ورواية بعض قصص «ما قبل التقاعد»…
وقد يفضي هذا النشاط إلى تأسيس مركز متخصص في آمرج، يُعنى، من بين مواضيع أخرى، بدراسة هذه الشجرة وتثمينها والاستفادة من إمكانياتها الاقتصادية المؤكدة، في زمن أصبحت فيه المبادرات المبتكرة ضرورية لتعزيز صمود السكان في وجه التحديات البيئيّة والمناخية.
أخيرا، يمكن التفكير في مسارات إضافية لتعزيز هذا التكريم المستحق لهذه القامة الكبيرة في التعليم العمومي: من بينها إطلاق اسم المرحوم الشيخ ولد بيبيه على المدرسة الابتدائية المذكورة ، وتوشيحه رسميا بعد رحيله.
ولدي قناعة راسخة بأن تلاميذه العديدين والمعجبين بسيرته الوظيفية النموذجية، لديهم أفكار بناءة أخرى للترحم عليه وتخليد ذاكرته…
(ترجمة من الفرنسية)
إسلكو ولد أحمد إزيد بيه
وزير سابق للشؤون الخارجية و التعاون


